الخبير الاقتصادي الدكتور غالب أبو مصلح لـ "غدي نيوز"

Ghadi news

Saturday, June 16, 2012

الخبير الاقتصادي الدكتور غالب أبو مصلح لـ "غدي نيوز":
الليبرالية الجديدة لم تستطع حل أزمة النظام الرأسمالي العالمي
... وأميركا لم تعد قادرة على حكم العالم والتحكم بمصيره

 أجرى الحوار - أنور عقل ضو

قبل أكثر من خمس سنوات، استشرف الباحث والخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور غالب أبو مصلح، معالم الأزمة المالية الناشئة في العالم، وفي دراسات عدة نشرت في العديد من الصحف والدوريات اللبنانية والعربية أشار إلى أن الولايات المتحدة الأميركية ستواجه كارثة مالية غير مسبوقة، ولم ينطلق في استنتاجاته وقتذاك من فراغ، وإنما من معطيات عليمة أظهر خلالها أسباب هذه الكارثة بما هي حدث متوقع، استناداً إلى رؤية ونظرة معمقة لطبيعة النظام الرأسمالي في حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وظل احد الخبراء الاقتصاديين القلائل الذين بشروا بنظام عالمي أكثر عدلاً في إطار سيرورة الواقع وقراءة اللحظة والبناء عليها لمواكبة الراهن واستشراف المستقبل.
في تلك الفترة، كان ثمة كثيرون انتقدوا الدكتور أبو مصلح واعتبروا أنه يبالغ في تقديراته، لتؤكد التطورات في ما بعد صوابية تحليله لطبيعة النظام المالي الدولي، لا بل أبعد من ذلك، فهو الآن يعتبر مرجعا يؤول اليه ذوو الاختصاص والعاملون في القطاعات المالية والاستثمارية، لطلب استيضاح واستشارة، فضلاً عن متابعة إسهاماته البحثية في مجال العلوم المالية ومواكبة مجمل التطورات القائمة لجهة ارتدادات الازمة المالية العالمية وارتداداتها على مستوى اقتصاديات الدول الكبيرة.
في هذا السياق، جاء الحوار الذي أجراه معه "غدي نيوز" شاملاً معمقاً – إن اتفقت معه أو لم تتفق – قدم إضافات مهمة على مستوى قراءة الأزمة المالية من منظور علمي انطلق من العوامل التاريخية التي تشكلت معها بعض مظاهر وسمات الواقع الاقتصادي الدولي.
 
وفي ما يلي نص الحوار:    


- بدايةً، ماذا تتوقعون بعد الانهيار المالي الذي شكل سابقة خطيرة على مستوى اقتصاديات الدول الكبرى؟

* ما تزال تسود العالم موجة من الذعر المالي والاقتصادي، بحيث يصعب توقع سلوك الفاعلين في هذه الأسواق، وتجاوبهم مع السياسات والإجراءات التي يتخذها قادة دول المراكز الرأسمالية ولو على المدى القصير. فالتطورات والمتغيرات على المديين المتوسط والطويل تحكمها تغيرات المقومات الاقتصادية الأساسية، كما المتغيرات العالمية على الصعد السياسية والعسكرية والثقافية. فهذه المتغيرات الكبيرة أحدثت وستحدث تغييرا عميقا في بنية النظام الرأسمالي العالمي الذي انبثق من الحرب العالمية، فهذا النظام بناه المنتصرون في تلك الحرب ولمصالحهم، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، عبر عن توازنات تلك الحقبة خارج إطار المعسكر الاشتراكي، وتم تجاوز هذا النظام أو بعضه عندما أصبح غير قادر على الإمساك بالعالم الرأسمالي وإدارته وحكمه، وخاصة بعد انفجار أزمته البنيوية على الصعيدين المالي والاقتصادي. ومن الصعب توقع النظام الذي ستنتجه هذه الأزمة الشاملة.

- هل ستؤدي هذه الأزمة الى تجاوز هذا النظام الرأسمالي نحو نظام أكثر عقلانية وواقعية من النظام الرأسمالي في مرحلته الأكثر احتكارية وعولمة. أم إن هذا النظام ما زال يملك من المرونة والقدرة للتطور والتكيف مع متغيرات العالم والتقنيات والإمكانات والحاجات لتجديد نفسه كما فعل إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها؟

- في هذا المجال، لا بد من الاشارة إلى أنه جرى تبسيط الأزمة الراهنة من قبل الطبقات الرأسمالية الحاكمة، وخاصة في الولايات المتحدة، بغية إخفاء جذورها وعمقها وطابعها البنيوي الشامل، فقد سارع المعلقون الاقتصاديون للقول إن الأزمة هي مجرد أزمة سيولة، وانه يمكن تجاوزها عن طريق ضخ كميات كبيرة من السيولة في الأسواق من قبل البنوك المركزية. وقامت البنوك المركزية فعلا بهذه المهمة ولا تزال، دون كبح تطور الأزمة. وقال آخرون إن الأزمة تتمثل بالرهون العقارية الفاسدة التي أعطيت لمن لا يستحقونها من الفقراء، وقد تم تشميل هذه الرهونات وتوريقها وبيعها الى السوق المالية التي رفعتها ووزعتها على معظم الاسواق المالية. وعند انفجار الفقاعة العقارية، وانخفاض أثمان العقارات، تحولت هذه الأوراق المالية الى كتل سامة تسد أقنية انسياب الاموال في الاسواق المالية الأميركية والعالمية. وتمثل الحل الشافي لهذه الازمة في إنقاذ مؤسسات الإقراض العقاري أو تأميمها، وتعويض خسائرها بمئات مليارات الدولارات ومن جيوب دافعي الضرائب من غير الأثرياء. ولكن هذه السياسات لم تكبح الأزمة ولم توقف نموها وتدهور الاسواق. وانتقلت الازمة من كونها أزمة سيولة الى أزمة ملاءة، أي ان هناك نقصا في الرساميل لدى المؤسسات المالية الشاملة وخاصة تلك التي دمجت مهمات التأمين مع مهمات الوساطة، مع مهمات البنوك التجارية وبنوك التوظيف. وكان نقص الملاءة لدى بنوك التوظيف العملاقة في الولايات المتحدة خاصة، بسبب انخفاض أسعار بعض موجوداتها وارتفاع نسبة القروض المعدومة. والاتجاه التنازلي للسوق أصابها بخسائر تفوق رؤوس أموالها الاساسية، مما أدى الى افلاسها، وخاصة عند سحب ودائع البنوك التجارية وصناديق الاموال منها. وإنقاذ هذه المؤسسات المالية التي شكلت حتى الماضي القريب فخر الاسواق المالية ورموز السيطرة الأميركية على الاقتصاد العالمي، يتم عبر ضخ الأموال العامة في هذه المؤسسات. والجهة القادرة على ذلك، أي على تعويض خسائر هذه المؤسسات الخاصة تتمثل في المسيطرين على الاموال العامة، على أموال دافعي الضرائب، أي الخزينة. وفي هذه الحال، فإن على الحكومات رفع الضرائب غير المباشرة التي يقع عبؤها على عاتق الطبقات المتوسطة والضعيفة، وخفضها على الشركات والمؤسسات الرأسمالية الخاصة، وخفض الإنفاق العام، وخاصة الإنفاق الاجتماعي الموجه للطبقات الضعيفة. وهذه السياسات تعمق الفروقات الطبقية وتنمي التناقضات الاجتماعية. وعلق العديد من الاقتصاديين على هذا النهج الظالم لأكثرية جماهير البلدان الرأسمالية بأنه "اشتراكية الأغنياء".

- يقول "مايكل ريني" ان هذه الحلول التي أشرت اليها تمثل "شكلا آخر من الرأسمالية تتولى فيه الدولة حماية الأغنياء لتقيهم من خسائر كبيرة". كما أطلق المعلق "جيمس ريد جواي" على بعض إجراءات السياسة الاميركية بأنها تمثل "دولة رفاهية المؤسسات" كنقيض لدولة رفاهية الجماهير، ما هي نظرتكم كخبير محايد إلى هذا الأمر؟

- لا بد من الاشارة إلى ان هذه السياسات المفترض انها "انقاذية" تؤدي الى زيادة الدين العام، الذي تجاوز عتبة عشرة تريليونات دولار في الولايات المتحدة، ويزيد الهوة اتساعا بين من يملكون ومن لا يملكون، بين أصحاب رؤوس الأموال والقوى العاملة. ويعيد البعض الأزمة الى جشع الإداريين الكبار للمؤسسات وانحدار أخلاقياتهم. ولكن جشع هؤلاء وانحدار أخلاقياتهم وقيمهم الاجتماعية لا يمثّل خروجاً على أخلاقيات الليبرالية الجديدة التي سيطرت على الفكر الاقتصادي الرأسمالي منذ وصول المحافظين الجدد الى السلطة في بريطانيا وأميركا عند بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، وتعميم هذا الفكر على كل المؤسسات والدول التابعة. كان ملتون فريدمان "نبي" الليبرالية الجديدة أو أحد كبار رسلها على الأقل، يقول: "إن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة لرجال الأعمال هي في زيادة أرباحهم"، وإن أخلاقيات السوق – أي العرض والطلب – يجب أن تحل مكان أخلاقيات الفكر الاشتراكي، أي مبادئ العدالة والمساواة والتضامن الاجتماعي وشرعة حقوق الإنسان. وشكلت دولة الرفاهية عائقا أمام التقدم بالنسبة للمدرسة "الريغينية"، اذ ان هذه الدولة تولد "الكسل وتخلق نوعا من المرض الاتكالي الشامل الذي يجازي الكسل ويشجع على اللامسؤولية" كما يقول ميشال البرت في كتابه Capitalism against Capitalism. فالليبرالية الجديدة تمثل عودة الى الداروينية الاقتصادية والاجتماعية، انها تطلق العنان لما هو اسوأ في الانسان، فتحث على الجشع وتقدس الربح وتراكم الثروات وتشيّئ الإنسان، وتمجد الاستهلاك وتحتقر الفقراء وتنفيهم من المجتمع، وتجعل من الفقر مسؤولية فردية لا مسؤولية مجتمع ونظام.

- وماذا عن جذور هذه الأزمة؟
 
يشير تاريخ الرأسمالية الى أن الأزمات الدورية هي من صلب النظام الرأسمالي والملازمة لتقدمه، وذلك بسبب الخلل الملازم للنظام بين العرض والطلب، بين نمو قدرات الإنتاج نتيجة تراكم القيمة الفائضة في أيدي الرأسماليين، ونمو الطلب الحقيقي على الإنتاج بأقل من نمو القدرات الإنتاجية، مما يولد فائضا في الرساميل يضغط على معدلات الأرباح، أو عوائد رأس المال. وفي هذه المرحلة يبحث رأس المال عن فرص للتمدد الى الخارج، فيتم تصدير رؤوس الأموال الفائضة، أو يدفع الى حروب لإعدام رؤوس الأموال الفائضة، وتجديد الدورة الرأسمالية، ويبقى امتصاص فائض رؤوس الأموال مشكلة قائمة لا حل جذريا لها في هذا النظام. وحتى يومنا هذا، فإن تراكم رؤوس الأموال الفائضة وبناء القدرات الإنتاجية الفائضة في مراكز هذا النظام خلقت الأزمات الدورية فيه. وكانت الحروب تشكل إحدى وسائل تدمير هذا الفائض، عبر رفع الإنفاق العسكري كما عبر الدمار الذي تحدثه، فيعود الطلب الى الارتفاع مشكّلاً قاطرة النموّ الاقتصادي وتراكما جديدا لرؤوس الاموال بعد إزالة القدرات الإنتاجية المعطلة. هذا ما حصل في الحرب العالمية الثانية التي أخرجت الولايات المتحدة من إحدى عشرة سنة من الركود. ولكن الأزمة عادت للظهور في أواخر الأربعينيات في الولايات المتحدة. وكان الهدف الأساسي من "مشروع مارشال" هو رفع الطلب على البضائع الأميركية لمنع الركود وتنامي البطالة، لا إعادة إعمار أوروبا كما يزعمون. وبسبب تفجير الاتحاد السوفياتي قنبلته الذرية، وانتصار الثورة الشيوعية في الصين بقيادة ماو تسي تونغ، وضعت الولايات المتحدة استراتيجية عالمية جديدة لها، وما زالت تعمل ضمن أطرها حتى الآن. فتقرير "المجلس العسكري الوطني الـ ٨٦ الذي وُضع بتاريخ ١٤-٤-١٩٥٠" وضع السياسات الاقتصادية للقطاع العام، وفي خلاصته النهائية يؤكد التقرير: "أن أحد الدروس المستنتجة من الحرب العالمية الثانية وتجاربها أن الاقتصاد الأميركي عندما يعمل عند مستوى يقترب من كامل طاقته ويمكنه أن يؤمن موارد هائلة لأهداف عديدة بجانب هدف الاستهلاك المدني، في الوقت الذي يؤمن فيه مستوى مرتفعا من المعيشة". نتيجة هذه الرؤية بدأ الاستراتيجيون الأميركيون بناء صناعة حربية كبيرة بحجة موازاة القدرات العسكرية السوفياتية التي بالغوا كثيرا في قدراتها، وللإبقاء على نسبة عمالة كاملة، وتحت إشراف البنتاغون. وقاد ذلك إلى ما أسماه الرئيس ايزنهاور "المركب الصناعي العسكري الهائل" وحذر منه ومن تسلطه على السلطة في خطابه الوداعي سنة ١٩٦١. فالحرب والتوسع الخارجي وبناء القواعد العسكرية التي بلغ عددها في الخارج أكثر من ٧٥٠ قاعدة، وفتح أسواق العالم أمام صادرات البضائع والخدمات والرساميل الأميركية، شكل السبيل الأساسي لنمو أميركا واستقرارها واستمرار سيادتها على العالم الرأسمالي. ولكن التجربة الحية، ودراسة عدة عقود من الإنفاق العسكري وانعكاسه على الاقتصاد، أظهر محدودية هذه الوسيلة في تأمين نمو اقتصادي دائم وعمالة كاملة وتلافي الدورات الاقتصادية مهما تطورت آليات السياسات النقدية، ومهما تطورت مؤسسات الأسواق النقدية والمالية وعولمتها المدعومة بتطور الحواسيب والاتصالات. وأظهرت دراسة أعدّتها مؤسسة Global Insight في واشنطن التي يرأسها الاقتصادي Dean Baker ان زيادة الإنفاق العسكري، بعد تحفيز الطلب لمدة ست سنوات، يتحول أثره الى عامل سلبي. ووجد بيكر انه بعد عشر سنوات من الإنفاق العسكري الأكثر ارتفاعا ستتقلص فرص العمل، في الولايات المتحدة، بـ ٤٦٤ ألف وظيفة، عن سيناريو يشمل إنفاقا عسكريا أكثر انخفاضا. وقال: "يعتقد عادة أن الحروب وزيادة الإنفاق العسكري لهما أثر جيد على الاقتصاد. في الحقيقة أن أكثر النماذج الاقتصادية تظهر ان الإنفاق العسكري يوجه الموارد من استعمالات منتجة، مثل الاستهلاك والتوظيف، الى استهلاكات غير منتجة، وفي النهاية يبطئ النمو الاقتصادي، ويخفض مستوى العمالة". وأظهر تاريخ حرب فيتنام كما حربا أفغانستان والعراق صحة هذا القول. فالحروب الرابحة والخاسرة التي شنتها الولايات المتحدة على دول العالم الثالث وشعوبه خلال العقود الثلاثة الاخيرة، فاقمت الازمة الاقتصادية الأميركية ولم تحل أو تخفف منها. يمكن إعادة تفاقم الأزمة البنيوية للولايات المتحدة الى بداية السبعينيات من القرن الماضي، حين عجزت منظومة الدول الرأسمالية عن معالجة عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات الجاري لأميركا، الذي حوّل أميركا تدريجيا من اكبر دولة دائنة بعد الحرب العالمية الى اكبر دولة مدينة. ولم يجد نفعا إجبار كل من اليابان وألمانيا على رفع سعر صرف عملتهما بنسب عالية، ولم يجد نفعا مؤتمر "لليوفر" الذي عمل على تنسيق السياسات الاقتصادية لدول مراكز النظام الرأسمالي. فأسقطت الولايات المتحدة اتفاقات "بريتن وودز"، أي نظام النقد العالمي، وأدخلت مبدأ سعر الصرف العائم. وكان هذا الانتقال طبعا لمصلحة الولايات المتحدة على أكثر من صعيد، فكدولة تعاني عجزاً كبيراً في ميزاني التجارة والمدفوعات الجاري، وكدولة مدينة، يمكنها شطب أجزاء كبيرة من ديونها عبر خفض سعر صرف الدولار، مع استمرار زيادة الطلب على الدولار لكونه العملة العالمية الأكثر قبولا على الصعيد العالمي. فقد خسر الدولار نصف قيمته الحقيقية بين سنتي ٢٠٠٠ و ٢٠٠٥، واعتماد سعر الصرف العائم زاد كثيرا من اضطرابات أسواق النقد في العالم، مما دفع الدول كلها الى زيادة احتياطاتها من العملات الأجنبية، أي من الدولار خاصة، لاتقاء مخاطر السوق والذود عن اقتصاداتها أمام ضغوطات أسواق الأموال وحركات الأموال الساخنة في عصر العولمة وانفتاح الاسواق. وهذا ما سبب طلبا متزايدا على الدولار حتى اليوم، ومكن الولايات المتحدة من أن تسد عجوزاتها بتصدير عملتها لا بتنمية صادراتها وخفض إنفاقها كما تعمل بقية دول العالم. فنمو الاقتصاد الأميركي لم يكن بسبب المعدلات المرتفعة من الادخار، بل بسبب مراكمة ديون كبيرة على صعد القطاع المنزلي وقطاع الأعمال كما على صعيد الموازنة الفدرالية، مما جعل الاقتصاد الأميركي يقف على جبل هائل من الديون قابل للانفجار والسقوط. بل ان انفجار جبل الديون المتسارع نموه مرهون بتقبل دول العالم للعملة الاميركية وزيادة احتياطاتها وديونها للولايات المتحدة، وكان سعر الصرف العائم لمصلحة المصارف ومؤسسات الوساطة المالية خاصة، التي جعلت من تقلبات أسعار صرف العملات مجالا واسعا لمضاربتها وللاتجار بالمخاطر، بحيث وصلت قيمة المضاربات بالعملات يوميا الى أكثر من تريليوني دولار، وقيمة المتاجرة بالمشتقات والمرتبطة بمخاطر تقلبات أسعار الصرف إلى أكثر من ١,٣ تريليون دولار، ساهم في إطلاق العديد من المشتقات، وحوّل السوق المالية العالمية الى "كازينو" هائل للمقامرة. وقد ألحقت هذه التطورات في بنية القطاع المالي أضرارا كبيرة في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، وساعدت، آنياً، في حل مشكلة تدني مردود رؤوس الأموال. فقد شتَّتت عولمة الأسواق ونمو المشتقات والترفيع المخاطر التي نمت بشكل كبير في بعض القطاعات، وأنبتت فقاعات في سوق الأسهم ثم في سوق العقارات، ووُضعت هذه الاسواق الجديدة المعولمة خارج إطار الرقابة الفعالة لمؤسسات الرقابات الوطنية، فنمت بدافع الابتكارات في المشتقات وبفعل التقدم الكبير في قدرات الحواسيب وقطاع الاتصالات. وتحررت الاموال الى حد بعيد من الالتصاق بقطاعات الاقتصاد الحقيقي، وخلقت فضاء خاصا تدور فيه، بحيث تستند الى قطاعات الاقتصاد الحقيقي وتسيطر عليها وتعرضها للكثير من المخاطر. واستطاعت هذه البنية المالية الفوقية أن تؤمن لرؤوس الاموال الموظفة فيها، في صناديق التحوط خاصة، وفي إطار المضاربات، معدلات مرتفعة من الربح. ففي الوقت الذي تدنى فيه مردود التوظيفات الرأسمالية في قطاع الصناعة الى حوالى ٦ بالمئة، كان مردود صناديق التحوط يتجاوز الـ ٢٠، وأصبح ارتفاع أسعار الأسهم أهم بكثير من مردودها بالنسبة للبنية المالية المضاربة. وارتفعت أسعار الأسهم في أسواق المال من معدلاتها التاريخية التي لا تتجاوز خمسة عشر ضعف المردود الى أكثر من ٤٥ ضعف المردود، وتم تحقيق الأرباح ليس من مردود السهم بل من ارتفاع ثمنه في السوق المالية نتيجة المضاربات والترفيع. ان هذه البنية المالية في عصر الرأسمالية الأكثر احتكارية وعولمة خلقت فقاعات متتالية في أسواق الأسهم والعقارات، التي انفجرت تباعا، وعولج انفجار فقاعة الأسهم بضخ سيولة كبيرة في السوق، مما ولّد فقاعة عقارية أكبر وأشد خطورة، اذ ان مدخرات القطاع المنزلي الموظف في قطاع المساكن أكبر بكثير من المدخرات الموظفة في أسواق المال. وساعد نمو الفقاعات، وخاصة الفقاعة العقارية، في تمكين أصحاب المنازل من رفع رهونهم العقارية والحصول على أموال مكنتهم من زيادة استهلاكهم الشخصي عبر رفع الديون.

- نجد هنا أن الأزمة بجذورها العميقة أكثر تعقيداً مما تصور البعض لجهة التبسيط في مقاربة نتائجها؟

- بالطبع، فقد شكل تدني مردود التوظيفات الرأسمالية عند أواخر السبعينيات أحد مظاهر أزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي في ظل "الكينزية" التي سمت بظهور دولة الرفاهية، ووُضع الجيل الثاني من شرعة حقوق الانسان في ظلها. ويُعنى الجيل الثاني من شرعة حقوق الانسان بضمانات القوى العاملة وشبكات الامان لها وبمؤسساتها النقابية الحامية. وتم القفز الى الليبرالية الجديدة لحل أزمة تدني مردود التوظيف، وإسقاط دولة الرفاهية والمؤسسات الحامية للقوى العاملة. وعمل المحافظون الجدد في البلدان الانغلو – ساكسونية أولا، على تبني الليبرالية الجديدة وتعميمها على العالم الرأسمالي في مراكزه وأطرافه، وفُرضت كأيديولوجيا على مؤسسات النظام العالمي، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، وأُطلقت مرحلة جديدة من العولمة، ومرحلة جديدة من الامبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. ومورست ضغوطات كبيرة من قبل "إجماع واشنطن" على دول الأطراف كلها لفتح أسواقها أمام السلع والخدمات وتدفق الأموال الساخنة وغير الساخنة من مراكز النظام الرأسمالي العالمي، كما أجبرت هذه الدول على "خصخصة" قطاعها العام وعرضه للبيع للشركات الكبرى المعولمة وللداخل، وتفكيك أطر حماية القوى العاملة ومؤسساتها، كل ذلك، لتسهيل التوظيفات الرأسمالية الأجنبية الفائضة، ونهب هذه البلدان. وبذلك شكلت هذه السياسات مرحلة جديدة من الامبريالية المدعومة بالقدرات المالية والرقابية للبنك وصندوق النقد الدوليين، وبقدرات عسكرية جبارة للولايات المتحدة المنتشرة قواعدها وأساطيلها في كل أرجاء العالم.

- وماذا عن دور الليبرالية الجدية على مستوى الدول الكبرى واقتصاداتها؟

- مثلت الليبرالية الجديدة مصالح الشركات الكبرى المعولمة، التي قلصت نطاق الديموقراطية في دول المراكز الرأسمالية، وأصبحت تتحكم في صناعة الرأي العام الى حد بعيد، وفي تمويل وتسويق السياسيين الذين يعملون لمصالحها. كما مثلت مصالح رؤوس الاموال عامة ضد مصالح القوى العاملة في دول المركز والأطراف. فقد أُعيد اقتسام القيمة المضافة، أي الناتج المحلي لمصلحة رؤوس الأموال وعلى حساب نصيب القوى العاملة. ويقول بول كروغمان المحلل الاقتصادي في "نيويورك تايمز" في كتابه "أميركا التي نريد" إن متوسط دخل العامل الأميركي لم يتحسن منذ سنة ١٩٧٣، رغم أن ما ينتجه الفرد زاد ٥٠ بالمئة منذ ذلك التاريخ. فالعاملون من شريحة الإعمار من ٣٥ الى ٤٥ سنة، تدنى دخلهم بنسبة ١٢ بالمئة عما كان عليه في ١٩٧٣. ان أرباح زيادة الإنتاجية لو وزعت بالتساوي على القوة العاملة ورؤوس الاموال لزاد دخل الفرد ٣٥ بالمئة عما كان عليه سنة ١٩٧٠.

- اذا كان الناتج المحلي للفرد يرتفع بقوة، فلماذا ينخفض الدخل الحقيقي لمعظم العاملين؟

- جزئيا، لأن حصة اكبر تذهب للأرباح، وجزئيا ايضا لان أصحاب الرواتب العليا حصلوا على جزء كبير من الزيادة في الدخل مسببا نمو عدم المساوة ١ بالمئة من أصحاب الرواتب الأعلى يحصلون على ١٦ بالمئة من مجمل المداخيل، وذلك من معدل ٨ بالمئة لسنة ١٩٨٠. ونما عدم المساواة ايضا في أوروبا واليابان ولكن ليس بالنسبة ذاتها. أما في دول الأطراف التي تحكمها طبقات إقطاعية مالكة أو بورجوازية حاكمة، فالصورة أشد سوادا. والأمثلة متعددة في الوطن العربي، وخاصة في الاردن ولبنان. ففي العديد من الدول العربية ارتفع الناتج المحلي ولكن الدخل الحقيقي للقوى العاملة تدهور بشكل حاد، مما أسقط الطبقة الوسطى أو ألغاها تقريبا ووسع نطاق الفقر، والفقر المدقع، وأحدث تنمية سلبية أو مزيدا من التخلف، ويمكن وصف التخلف بالنمو المشوه. ويمكن القول إن الليبرالية الجديدة مثلت فكر الرأسمالية ومنهجها في مرحلتها الأكثر احتكارية وعولمة، أي مرحلة الامبريالية الجديدة.

- نعرف ان الليبرالية أطلقت مرحلة جديدة من العولمة، وسرّعت عملية الدمج والاستحواذ بين المؤسسات والشركات، مما رفع معدلات التمركز والاحتكارات، فما هي النتائج المترتبة حيال هذا الأمر؟

- لقد مكن هذا الامر الرأسمالية من رفع نصيب رؤوس الاموال من الناتج على حساب نصيب الاجور، وابطأ زيادة الانتاج والنمو على المدى الطويل، وأسس لأزمات اجتماعية ومالية واقتصادية متتالية، تتصاعد حدتها حتى تصل الى مرحلة الانفجار. فخفض أجور القوى العاملة في مراكز النظام، والمواكب لتدني القدرات التنافسية في قطاعات الاقتصاد الحقيقي، يتناقض مع زيادة الانتاج، وخاصة اذا ما تعثرت المغامرات الإمبريالية كما يحدث اليوم لأميركا، وتفلتت بلدان عديدة مثل معظم بلدان أميركا اللاتينية من مخالبها، ونمت بلدان اخرى مثل الصين والهند وجنوب افريقيا والبرازيل وايران، وأصبح لديها قدرات تنافسية عالية. فزيادة الانتاج الضروري لتنمية الارباح يعتمد على نمو الطلب المحلي، أي على القدرات الشرائية للقوى العاملة التي تتناقص قدراتها الشرائية نتيجة السياسات الليبرالية. وفي الولايات المتحدة كما في معظم البلدان الرأسمالية، يشكل نمو الطلب الداخلي قاطرة النمو الاقتصادي. لذلك ابتكرت الليبرالية الجديدة قضية تنمية الطلب الدخلي بالديون، وأيضا عبر الإقراض العالي المخاطر، أي دون أخذ ضمانات لأشخاص غير مليئين وعبر خفض الفوائد الحقيقية الى ما دون الصفر. فنشأت سندات الخردة Junk Bonds عند انهيار أسعار الاسهم، كما نشأت القروض العقارية الفاسدة التي أسقطت أكبر مؤسسات الرهن العقاري عندما انهارت أسعار المنازل. أكثر من ذلك، موّل ارتفاع أسعار المنازل عبر المضاربات المالية. استدانة القوى العاملة عبر رفع الرهونات على المنازل التي يرتفع سعرها السوقي. وكذلك رُفع الطلب عبر زيادة الديون بواسطة بطاقات الائتمان التي تبلغ الفائدة المدينة عليها أكثر من ٢٠ بالمئة. فالفقاعات لا تنمو بالصدفة في السوق، بل يتم تكوينها وتنميتها لأسباب موضوعية ولخدمة رؤوس الأموال الباحثة عن مخارج وساحات وأدوات مالية لتنمية أرباحها ودفع أزماتها البنيوية الى الأمام، فتتراكم ثم لا بد من أن تنفجر.

- نجد إزاء هذه الأزمة بروز مصطلح جديد ألا وهو "جبل الديون"، فإلى أي مدى بلغ الانهيار الاقتصادي والمالي في أميركا؟
 


-إن سياسات تنمية الطلب بالديون خلق في أميركا جبل الديون الهائل من الديون العامة والخاصة، لقطاع المنازل كما لقطاع الاعمال. وبلغ إقراض المصارف في أميركا حسب بيانات حديثة حوالى ٧٠ تريليون دولار، وبلغ الدين العام أكثر من ١٠ تريليونات دولار حتى اليوم، ويرتفع بسرعة كبيرة نتيجة تنامي عجز الخزينة لأربعة أسباب: 1- ان الانكماش الاقتصادي الذي دخلت مرحلته الولايات المتحدة سيقلص كثيرا من واردات الخزينة نتيجة هبوط الانتاج والارباج. 2- ان النقص المتصاعد في ملاءة المؤسسات الرأسمالية يفرض على الخزينة مد هذه المؤسسات بأموال طائلة تتخطى كثيرا الـ ٧٠٠ مليار دولار المخصصة لذلك. 3-  ان زيادة البطالة والفقر ستجبر السلطة على زيادة تقديماتها للشرائح الضعيفة في المجتمع خوفا على السلم الاهلي وعلى النظام العام. 4- ارتفاع الإنفاق العسكري الاميركي الى معدلات غير مسبوقة لا تظهرها أرقام موازنة البنتاعون. فقد تجاوزت كلفة حربي العراق وأفغانستان حسب "جوزف ستغلتز" ٣ ترليونات دولار، ويستفيد منها طبعا المجمع الصناعي العسكري النفطي. فقد ارتفعت أسهم شركات صناعة الأسلحة والذخائر، كما أسهم الشركات النفطية الى أرقام قياسية. فالحروب مريحة جدا لهذه الشركات ويدفع ثمنها دافعو الضرائب. فقد بلغت ميزانية البنتاغون لسنة ٢٠٠٨ كما أعلنت في شباط (فبراير) ٢٠٠٧، ٤٨١,٤ بليون دولار لتغطية الرواتب والعمليات، (ما عدا أفغانستان والعراق). ولكن هناك ايضا ١٤١,٧ بليونا لتمويل القتال ضد الارهاب، و٩٣,٤ بليونا لتغطية تكاليف حروب غير مذكورة، مثل حرب الصومال بواسطة اثيوبيا، و٥٠ بليونا على حساب موازنة ٢٠٠٩ ليصبح المجموع ٧٦٦,٥ بليون دولار. ولكن هناك نفقات اخرى ايضا مثل ٢٣,٤ بليونا لوزارة الطاقة لتطوير وصيانة الرؤوس النووية، و٢٥,٣ بليون دولار لوزارة الخارجية للإنفاق على المساعدات العسكرية الخارجية، و١,٣ بليون لتطويع المجندين و٧٥,٧ بليونا لجنود معاقين في القتال (منهم ٢٨٨٧٠ معاقا في حرب العراق) و٤٦,٤ بليونا للامن الداخلي و ١,٩ بليون للـ FBI، و ٣٨,٥ بليون دولار للجنود المتقاعدين، و٧,٦ بليونات دولار للنشاطات الجوية والفضائية، و٢٠٠ بليون فوائد على قروض سابقة للدفاع. فتبلغ الميزانية الحقيقية ١,١ تريليون دولار، أي ان الموازنة الحقيقية هي أكثر من ضعف الموازنة المقرة للبناغون.

- في ظل هذه المعطيات المقرونة بدراسات قمتم بها، والمدعمة بأرقام، ألا تؤكد ليس فشل السياسات الليبرالية الجديدة وحسب، وانما انهيارها ايضا؟

- بالتأكيد، فالسياسات الليبرالية الجديدة المتبعة منذ بداية الثمانينيات، لم تستطع حل أزمة النظام الرأسمالي العالمي. نجحت في إعادة تقسيم القيمة المضافة لمصلحة رؤوس الأموال، فخفضت الرواتب والأجور الحقيقية، وموّلت الاستهلاك بالديون لا بالمداخيل بغية توليد نمو موهوم وزائف، وشنت الحروب العدوانية الخارجية لتحفيز الطلب ورفع معدلات العمالة، وللإمساك بشرايين العالم الاقتصادية ونهب ثروات دول العالم الثالث بغية التعويض عن تدهور قوتها الاقتصادية. ولكنها لم تستطع أن تحل مشكلة معدلات مردود التوظيفات المنخفضة لرؤوس الأموال. فقد تراجع مردود رؤوس الأموال في قطاعات الاقتصاد الحقيقي الى حوالى ٦ بالمئة، بينما وصلت الأرباح في الصناعة المالية، وخاصة لدى صناديق التوظيف، الى حوالى ٢٠ بالمئة. وارتفع نصيب صناعة الخدمات من مجمل أرباح الشركات من ١٠ بالمئة عند بداية الثمانينيات، أي عند وصول المحافظين الجدد الى السلطة، والى ٤٠ بالمئة عند ذروتها في سنة ٢٠٠٧. ان هذا التفاوت الكبير في مردود التوظيف جذب رؤوس الاموال الى التوظيف في قطاع الخدمات وخاصة المالية منها، وبعيدا عن قطاعات الإنتاج الحقيقي. وتدنى بالتالي أداء قطاعات الاقتصاد الحقيقي، وخاصة الصناعة، فقد تدنى نصيب الصناعة الى ١٣ بالمئة من الناتج المحلي الأميركي، وبدأ هذا التدني منذ بداية الثمانينيات ايضا. وأصبح الإنتاج الحقيقي للصين مقاسا بالقيمة الحقيقية (P.P.P) Purchase Power Parity  أكبر من الناتج الحقيقي الأميركي. فبين سنتي ١٩٧٩ و١٩٩٢ خفضت أكبر ٥٠٠ شركة صناعية أميركية عدد العاملين فيها الى ٤,٤ ملايين عامل. وتسارع انهيار قطاع الصناعة الأميركي في السنوات الأخيرة، مما وسع عجز التجارة غير النفطية، وأسقط ٥,٦ ملايين وظيفة سنة 2008، وكانت أكثر الولايات تضرراً، ولايتي ميشيغان وساوث كارولينا، ولم يقتصر تراجع قطاع الصناعة على الولايات المتحدة، بل امتد الى أهم قلاع الرأسمالية التي سلكت طريق الليبرالية الجديدة مثل بريطانيا وفرنسا. وفي فرنسا أعلنت شركة "بولير هيرميس للتأمين على القروض" أن أكثر من ٢٨٥٠٠ شركة فرنسية أفلست مع بداية الازمة المالية، وبزيادة ١٥ بالمئة عن الفترة ذاتها من العام السابق، مع تدهور المناخ الاقتصادي.

- ألن يكون ثمة أمل في تجاوز هذه الصورة القاتمة خصوصاً واننا كعرب نمثل جزءا من هذا المشهد بمأساويته الماثلة بقوة على ساحة الصراع الدولي؟

- إن عالماً جديداً ينبثق، وسيبنى على أنقاض عصر الهيمنة الأميركية، وعلى أنقاض النظام الرأسمالي العالمي الراهن، الاقتصادي والسياسي والقيمي والأخلاقي. فأميركا التي عجزت عن تحقيق انتصارات في العراق وأفغانستان، كما في فلسطين ولبنان والصومال، والتي ترى فيها شعوب العالم عدواً لحريتها وتهديداً للسلم العالمي، والتي ارتكبت أبشع الجرائم في التاريخ ضد سكان أميركا الأصليين كما ضد زنوج أفريقيا، والتي ترتكب جرائم ضد الإنسانية كل يوم في أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال وفي غيرها من دول العالم الثالث، وتعيد "المكارتية" في حكم الداخل، وترهب العرب، وتجردهم من حقوقهم كمواطنين أميركيين بحجة محاربة الإرهاب، وتقلص نطاق الديموقراطية التي تدعو لها زوراً في الخارج، إن أميركا هذه لم تعد قادرة على حكم العالم والتحكم بمصيره. وفي الوقت الذي تتراجع فيه قدرات أميركا وحلفائها من دول المراكز الرأسمالية العالمية، تتقدم العديد من شعوب العالم الثالث ودوله، متفلتة من التبعية لمراكز النظام الرأسمالي العالمي، متخطية حواجز التخلف العلمي والتقني والإداري والفقر. فهناك العديد من الاقتصادات الصاعدة في العالم اليوم التي رفعت من تأثير حضورها الاقتصادي والسياسي والثقافي والعسكري. فالصين مثلا تقف متفرجة على الأزمة، وهي لن تتأثر بها بأكثر من انخفاض نموّ دخلها القومي من ١١ بالمئة الى ٩ بالمئة حسب أكثر التقديرات تشاؤماً نتيجة ركود أسواق صادراتها. والدول التي لم تفتح أسواقها كلياً على الخارج، وخاصة سوقها المالية، وأبقت على دور الدولة في التخطيط والمراقبة لضبط الأسواق، ولم تطلق آليات السوق وتخضع لأخلاقياتها، بقيت أقل تعرضاً للأزمة الاقتصادية الشاملة ومظاهرها المالية والنقدية.
 

 
- هل أنتم متفائلون بإمكانية تجاوز هذا الواقع المرير بتداعياته على اقتصاديات الدول والأفراد والجمعات؟

- يمكننا القول بأن عالماً جديداً سيبنى على أنقاض النظام الرأسمالي الراهن، وسيفتح الباب مجددا للخيار الاشتراكي الذي يتخطى النظام الرأسمالي الوحشي الذي أعاد طرح "الداروينية" الاقتصادية، وأسقط الأخلاقيات الاشتراكية، أخلاقيات العدالة والتضامن الاجتماعي، أخلاقيات تحرير الإنسان وتنمية جوهره الخلاق المبدع المتسامي نحو المثل الأعلى، بدل تشييئه وتحويله الى عامل إنتاج واستهلاك لمصلحة تراكم رؤوس الأموال. لا بد من إعادة إحياء شرعة حقوق الإنسان، وخاصة الجيل الثاني منها، والمتعلق بحقوق الطبقات العاملة، وإعادة إحياء الحقوق والضمانات التي أنتجت دولة الرفاهية في الغرب.

- هل أنتم متفائلون إلى هذا الحد؟

- نعم، إن عالما جديدا لا بد من أن ينبثق، على أنقاض مجتمعات الاستهلاك الرأسمالية، التي استطاعت أن تبني مجتمعات الاستهلاك والبذخ الشديدين على حساب فقر الأكثرية الساحقة من شعوب العالم الجائع المريض المتخلف، كما أن نهوض معظم شعوب العالم الثالث سيسقط أنماط الحياة في الدول الرأسمالية الغربية، إذ إن خيرات العالم المتجددة وغير المتجددة لن تكفي لهذا النوع من الاستهلاك السائد في الغرب. ورأينا خلال السنة الحالية كيف ارتفعت أسعار المواد الخام والغذاء نتيجة تزايد الطلب عليها. فالعالم اليوم يستهلك ١,٤ أضعاف ما تستطيع الكرة الأرضية إعادة إنتاجه من الأسماك والأشجار سنوياً. ويتضاعف استهلاك العالم من المياه مرة كل ٢٠ سنة، وذلك معدل لا يمكن أن يستمر. والمياه المتجددة للكرة الأرضية ليس لها بديل مثل النفط، ويبذّر نظام الاستهلاك الموارد المائية المتجددة للكرة الارضية. إن خمس شركات كبرى لإنتاج الطعام والمشروبات تستهلك تقريبا ٥٧٥ مليار ليتر من المياه سنوياً، وهو الذي يسد الحاجة اليومية لكل شخص على هذا الكوكب. وإنتاج ٢٠٠ ملم من الرقائق من أشباه الموصلات يحتاج الى ١٣ متراً مكعباً من المياه على سبيل المثال، وارتفاع أسعار المواد الغذائية كان جزئيا بسبب نمو القدرات الاستهلاكية لبعض شعوب دول العالم الثالث التي طوّرت أنماط استهلاكها للمواد الغذائية وضاعفت استهلاكها من اللحوم. وإنتاج كيلوغرام من اللحم الأحمر يحتاج الى ٨ كيلوغرامات من الحبوب. ولا تكفي خيرات الأرض لرفع استهلاك شعوب العالم من اللحوم، على سبيل المثال. ثم إن النظام السياسي العالمي ومؤسساته التي تسيطر عليها الولايات المتحدة من مجلس الأمن الى منظمة التجارة العالمية، الى صندوق النقد والبنك الدوليين، أصبحت لا تمثل توازنات هذا العصر وتغيير موازين القوى فيه. وأصبحت غير قادرة على حل مشاكل هذا العالم واحتواء صراعاته. أصبح من غير المقبول أن تمتلك أميركا وحدها حق النقض في البنك الدولي، وان تحتكر إدارته، ومن غير المقبول أن تحتكر أوروبا حاكمية صندوق النقد الدولي، من غير المقبول أن يتحول البنك والصندوق الدوليان الى أدوات امبريالية أميركية، لخدمة مصالح الهيمنة الأميركية في العالم. من غير المقبول أن تحتكر حفنة من الدول حق النقض في مجلس الأمن، وأن يكون مجلس الأمن، لا الجمعية العامة للأمم المتحدة، مركز السلطات ومصدر القرارات الدولية.

- هل نحن في هذا العالم على مشارف مرحلة جديدة تنتفي معها معايير الأحادية الاستقطابية والكارتيلات المالية الضخمة؟

- إن ما نراه اليوم من أزمات على الصعد النقدية والمالية والاقتصادية يعبر عن المخاض العظيم للعالم، الذي سيولد عالماً آخر، أكثر عدالة وإنسانية وعقلانية في مسيرة البشرية على هذا الكوكب.

اخترنا لكم

قرّاء غدي نيوز يتصفّحون الآن