بحث

ISB Group

الأكثر قراءةً

كارثة التلوث النفطي... ما خفي أعظم

اخر الاخبار

كارثة التلوث النفطي... ما خفي أعظم

البيئة الاردنية والفاو تبحثان مشروع التكيف مع التغير المناخي

للمرة الأولى بالشرق الأوسط... مقهى للقطط في دبي

حملة لتنظيف محمية شاطىء صور بعد تسرب نفطي

جزيرتان متجاورتان.. لكن الفارق الزمني بينهما 21 ساعة

أبجديّة "عقل" فرضها العقل

Ghadi news

Friday, October 5, 2018

أبجديّة "عقل" فرضها العقل

"غدي نيوز"

د. ميشال الشمّاعي

أطلق الشّاعر والفيلسوف سعيد عقل أبجديّته الخاصّة التي صمّمها للغّة اللّبنانيّة مستخدمًا الأبجديّة اللاتينيّة، إضافة إلى بضعة أحرف مصمّمة حديثًا، وبعض الحروف اللاتينيّة المعلّمة لتتناسب مع علم الأصوات اللّبناني، فوصل عدد أحرفها إلى 36 حرفًا. ويومها تمّ رفض إنجاز سعيد عقل واتّهامه بأشنع التّهم، وذلك لأغراض سياسيّة بحتة، وذلك من دون النّظر نظرة علميّة إلى ما أبدعه. حتّى وصل الأمر ببعضهم إلى سفك دمائه. فهل حقّقت التّكنولوجيا حلم سعيد عقل بالقوميّة اللّبنانيّة من خلال تثبيت لغتها بأبجديّته الخاصّة؟ وهل الحلم اللّبناني الذي دغدغ فكر سعيد عقل سيتحقّق بدءًا بالتّكنولوجيا وليس بالسياسة؟

لطالما كان لبنان مقسومًا بين تيّارين اثنين: تيّار ينادي دومًا بعروبته، وتيّار يحاول جاهدًا أن يؤمّن فرادة للهويّة اللّبنانيّة. والشّاعر سعيد عقل  كان من أبرز الذين ساهموا في تثبيت الفلسفة اللّبنانيّة في مختلف أعماله الشّعريّة. ولأنّ الشّاعر عقل كان له مواقف سياسيّة تناهض التيّار العروبي آنذاك، لا سيّما فيما يتعلّق بملفّ الوجود الفلسطيني في لبنان في تلك المرحلة، واجه معرضة شرسة لأفكاره ومعتقداته التي تمّ تحريفها وتحويرها. كذلك أتت مواقفه من سوريا، لا سيّما وأنّ الشّاعر كان قد انتمى إلى الحزب القومي السّوري الاجتماعي، ولفترة قصيرة، في ثلاثينيّات القرن المنصرم. لكن ذلك لم يمنعه بعد عمليّة فحص الضّمير التي أخضع ذاته بذاته لها من أن يتحوّل إلى الاهتمام بلبنان الفينيقي، حيث صار من أشدّ الدّعاة إلى القوميّة اللّبنانيّة.

لذلك كلّه، صارت اللّغة العربيّة بالنّسبة إلى سعيد عقل  موضع اهتمام بارز ولا سيّما بأنّه أبرز روّادها. بالنّسبة إليه كلّ لغة غير محكيّة هي لغة ميتة. واللغة العربيّة هي كاللغة اللاتينيّة لا يتحدّث بها أحد. ولنا في ذلك مثال صارخ عن اللغة السّريانيّة، لغة الآباء والاجداد الموارنة، مؤسسّي الكيان، من مار يوحنّأ مارون إلى السّابع والسّبعين اليوم؛ حيث بقيت هذه اللّغة في الطّقوس الدّينيّة فقط لأنّها لم تعد محكيّة نتيجة الغزو العربي، وضرورة التّواصل مع هذا الوجود الذي تلبنن تاريخيًّا حتّى استطاع بنفسه أن ينزع عن لبنان صفة حتّى " ذو وجه عربي"، ليحوّله بعد اتّفاق الطّائف عام 1990 إلى بلد عربي الهويّة والانتماء.

وجاءت تكنولوجيا الهواتف المحمولة بتطبيقاتها المتنوّعة، ولعلّ أبرزها تطبيق whatsapp للدردشة، لتفرض على اللّبنانيّين أنفسهم استخدام الاحرف اللاتينيّة للحديث بلغتهم اللبنانيّة عندما وجدوا أنّ اللّغة العربيّة، بحرفها الهنديّ، قاصرة عن تلبية رغباتهم. والملفت في ذلك كلّه أنّ هذه اللّغة تحوّلت عند معظم تلامذة المدارس إلى لغة أساسيّة، حيث باتوا يستسيغون الكتابة بوساطة أحرفها اللاتينيّة لسهولتها ولبساطتها بعكس ما يرونه في اللغة العربيّة الفصحى المعقّدة بالنّسبة إلى معظمهم.

نعم، حقّقت التّكنولوجيا ما لم يستطع العظيم سعيد عقل أن يحقّقه. أبجديّة عقل فرضها العقل والتكنولوجيا والأسباب والدّوافع منطقيّة ومقنعة حتّى ليكاد جيل اليوم أن يقنع الأجيال الهرمة بصحّة نظريّته. حيث إنّنا قد نقع على ستينيّ يحمل هاتفًا ذكيًّا ويستخدم هذه الابجديّة في محادثاته اليوميّة.
القضيّة اليوم أكبر من كونها قضيّة لغة، بل إنّها تعني قوميّة شعب طمرها التّاريخ بفعل الغزوات والاحتلالات المتعاقبة التي فرضت أمرًا واقعًا، لتأتي التّكنولوجيا اليوم فتنهض هذه القوميّة النّائمة تحت التّراب، وتضعها مجدّدًا في مواجهة التّاريخ، لتصبح هي نفسها " الأمر الواقع" اليوم. ولعلّ أنّ ما لم يتقبّله النّاس في القرن الماضي، عندما خاطب سعيد عقل فكرهم وانتماءهم الفكري، وحتّى الدّيني، قد قبلوه اليوم وبرحابة صدر، بعدما أتت التّكنولوجيا لتسهّل حياتهم اليوميّة.

المسألة خطيرة جدًّا لمن يدرك خطورتها. لعلّنا سنشهد طباعة كتبٍ باللغة اللّبنانيّة على غرار تلك التي طبعها سعيد عقل بأبجديّته في السّنوات القليلة القادمة. وفي هذه المسألة ضرب لواقع اللّغة العربيّة قد يتعدّاه إلى البعد السياسي لضرب فكرة القوميّة العربيّة من جذورها، انطلاقًا من لبنان وحّتى أقاصي المشرق العربي. فهل الغرب بريء من هذه الحرب المستترة على الفكر العربي؟ وهل سيستطيع اللّبنانيّون الأحرار استرجاع هويّتهم اللّبنانيّة الأصيلة التي صهرتها السياسة بهويّة عمقهم الاستراتيجي؟

اخترنا لكم

قرّاء غدي نيوز يتصفّحون الآن