بين القانون والواقع: هل سيغير رأي محكمة العدل الدولية قواعد اللعبة المناخية غدًا؟

بين القانون والواقع: هل سيغير رأي محكمة العدل الدولية قواعد اللعبة المناخية غدًا؟

غدي نيوز تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

A-
A+
Play
Stop
"غدي نيوز"



- هلا صبحي مراد -***


عمان - غدًا الثلاثاء 23 من شهر تموز – يوليو لعام 2025 تستعد محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية في منظومة الأمم المتحدة، لإصدار رأي استشاري مهم يتعلق بالتزامات الدول في مواجهة أزمة التغير المناخي. هذا الرأي الذي ينتظره العالم لا يُعد ملزمًا قانونيًا، لكنه قد يمثل نقطة تحول تاريخية في كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي على واحدة من أخطر التحديات التي تواجه البشرية اليوم. القصة بدأت منذ أكثر من خمس سنوات، عندما بادرت مجموعة من الدول الجزرية، المتضررة بشدة من ارتفاع منسوب البحار، إلى الدفع نحو مسار قانوني يعترف بمسؤولية الدول الكبرى في أزمة المناخ. بقي الطريق صعبًا ومعقدًا حتى تدخلت دولة فانواتو الصغيرة في المحيط الهادئ، حيث قاد طلاب جامعيون حملة عالمية للمطالبة برأي استشاري من محكمة العدل الدولية. بدعم من أكثر من 130 دولة، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في آذار 2023 قرارًا بالإجماع لبدء مرحلة جديدة من دمج العدالة المناخية ضمن إطار القانون الدولي.
الرأي الذي ستصدره المحكمة (العدل الدولية) غدا سيركز على سؤالين رئيسيين يتعلقان بمسؤوليات الدول بموجب القانون الدولي، بما في ذلك حقوق الإنسان، تجاه حماية المناخ، وكذلك العواقب القانونية المترتبة على عدم الوفاء بهذه المسؤوليات على الدول الأخرى والشعوب المتضررة والأجيال القادمة. رغم أن المحكمة لا تصدر أحكامًا ملزمة في إطار الآراء الاستشارية، إلا أن رأيها يُستخدم كمرجعية قانونية يمكن أن تؤسس لمسارات تقاضي جديدة أمام المحاكم الوطنية والدولية، كما يعزز من آليات المساءلة السياسية والضغط الدولي على الدول الملوثة، ويعمل على تحصين الحقوق البيئية وربطها مباشرة بالالتزامات المناخية.
على مدار عام 2024، تلقت المحكمة مداخلات مكتوبة من 91 دولة ومنظمة دولية، ثم عقدت جلسات استماع شفوية في كانون الأول شهدت مشاركة واسعة من دول متقدمة ونامية، بالإضافة إلى منظمات حقوقية وبيئية. تنوعت المواقف الدولية بين دول نامية طالبت بتفسير شامل يربط بين الالتزامات المناخية وحقوق الإنسان ويوسع نطاق مسؤولية الدول، ودول صناعية كبرى حذرت من محاولات لتسييس المحكمة أو تقليص مرونة اتفاق باريس، ودول متوسطة دعت إلى تفسير معتدل يحترم المبادئ القانونية القائمة مع ضرورة تطويرها.
أما الموقف العربي فقد شهد مساهمات مختلفة من عدة دول عبر مداخلات مكتوبة وشهادات شفوية. فقد ركزت مصر على العلاقة بين تغير المناخ وحقوق الإنسان والتزامات الدول التاريخية، في حين شددت الإمارات والكويت والسعودية على أهمية احترام مبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة واعتبار اتفاق باريس الإطار المناسب لتفعيل الالتزامات. وبرزت مشاركة السعودية الرسمية بمداخلة مكتوبة وشهادة شفوية خلال جلسات كانون اول، حيث أكدت على ضرورة حصر الالتزامات القانونية في إطار الاتفاقيات الدولية الحالية ورفض توسيع نطاق المسؤوليات القانونية خارجها، مع تمسكها بمبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة، أما فلسطين فقدمت مرافعة أخلاقية بارزة ربطت تغير المناخ بقضايا الاستعمار ونزع الأراضي كما اختارت تناول الانبعاثات والعمليات العسكرية في الحرب والسلم كما وتناولت تحديدًا انبعاثات النزاعات، مع التركيز على الحرب الدائرة في غزة كمثال. وطلبت فلسطين من المحكمة تحديدًا تقديم توجيهات محددة في الرأي الاستشاري بشأن مسؤولية الدولة عن انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن "النزاعات المسلحة، والأنشطة العسكرية الأخرى، بما في ذلك الاحتلال". و على الجانب الآخر، لم تسجل جامعة الدول العربية مداخلة رسمية باسمها، رغم الدعم المعبر عنه من بعض الدول العربية خلال التصويت في الجمعية العامة.
على الرغم من أهمية مشاركة عدد من الدول العربية، يلاحظ غياب موقف عربي موحد أمام محكمة العدل الدولية، وهو أمر يمكن تفسيره ضمن سياقات مختلفة منها تفاوت القدرات القانونية، وحساسية المواقف الدبلوماسية، وأولوية التزامات المناخ ضمن أجندات كل دولة. ومع ذلك، تفتح هذه الاستشارة القانونية نافذة جديدة أمام البلدان العربية لإعادة النظر في أدوارها ضمن مسارات العدالة المناخية، ليس كمجرد متلقين لتداعيات الأزمة، بل كشركاء فاعلين في صياغة الإطار القانوني الدولي المناخي. يبقى الدور العربي مهما وحيوياً، من خلال تقوية المواقف القانونية الوطنية وتعزيز أدوات العدالة البيئية على المستويين المحلي والدولي.
الرأي الاستشاري المرتقب يحمل معه تداعيات واسعة قد تؤثر على العديد من المستويات القانونية والسياسية والحقوقية. فعلى المستوى القانوني، سيشكل إطارًا مرجعيًا مهمًا لتعزيز المساءلة الدولية، إذ يمكن أن يسهل تحريك دعاوى ضد الدول أو الشركات الملوثة، مما يضغط أكثر على الجهات المسؤولة لمواجهة تبعات أفعالها. كما سيدعم الرأي تعزيز حقوق الإنسان البيئية وربطها مباشرة بالتغير المناخي، وهو ما يفتح المجال أمام تعميق المطالب القانونية والسياسية للبلدان والمجتمعات المتضررة، خاصة في دول الجنوب والبلدان الصغيرة المهددة.
أما من الناحية السياسية، فإن الدول الصناعية الكبرى التي طالما اعتبرت التزاماتها محصورة في الاتفاقيات المناخية مثل اتفاق باريس، ستواجه ضغوطًا متزايدة للالتزام بمسؤوليات أوسع، بما يشمل إصلاح الأضرار وتعويض المتضررين والتوقف عن دعم مصادر الطاقة الأحفورية. كما يمكن أن يدفع الرأي المفاوضات الدولية، لا سيما في مؤتمر الأطراف المقبل، نحو تعزيز دعم الدول النامية مالياً لتحقيق التكيف ومعالجة الخسائر والأضرار، بالإضافة إلى تسريع الانتقال العادل للطاقة.
وعلى صعيد الشركات الكبرى، من المتوقع أن يشير الرأي إلى مسؤولية هذه الجهات، خصوصًا في قطاع الوقود الأحفوري، مما قد يطرح تحديات قانونية جديدة تتعلق بالمسؤولية المدنية والتجارية تجاه الأزمة المناخية. كذلك، سيساهم الرأي في دفع الدول إلى تحديث سياساتها الوطنية، من خلال توفير إرشادات قانونية واضحة تلزمها بوضع قوانين أكثر صرامة لحماية المناخ وتعزيز تنفيذ التعهدات الدولية.
ولا يقل أهمية أن الرأي قد يسهم في إعادة تشكيل القانون الدولي البيئي، من خلال ترسيخ مبدأ المسؤوليات المشتركة، ولكن المتباينة وربط الالتزامات المناخية بحقوق الإنسان، ما يعيد رسم قواعد الحوكمة المناخية العالمية ويزيد من عدالتها.
الحركة المناخية العالمية ونحن في المنطقة العربية ننظر إلى هذا الرأي كاختبار تاريخي للمجتمع الدولي، حيث يمثل محاولة لترسيخ عدالة مناخية تتجاوز المصالح السياسية، وتعطي صوتًا للمجتمعات الأكثر هشاشة. ومن المتوقع أن يعزز الرأي دور المجتمع المدني والمحاكم في مراقبة مدى التزام الدول بتعهداتها، خصوصًا خلال مؤتمر COP30 في البرازيل في منتصف شهر تشرين ثاني القادم.
أخيرا، يعتمد مدى تأثير هذا الرأي على كيفية استغلاله من الدول، والمنظمات، والمجتمع المدني والمحاكم. فبالرغم من أنه لن يجبر أي دولة على تقليل انبعاثاتها بشكل مباشر، إلا أنه سيوفر أساسًا قانونيًا قويًا للمساءلة، ويعزز الاعتراف بحقوق المتضررين من الكوارث المناخية، ويفتح الباب أمام نقاشات أوسع حول جدوى وكفاية اتفاق باريس كأداة قانونية.
فغدًا لا تصدر المحكمة مجرد رأي قانوني، بل تعيد طرح سؤالًا جوهريًا على العالم: هل التغير المناخي قضية تقنية بحتة، أم أنها مسألة عدالة وحقوق ومسؤولية؟ مهما كان القرار، فإن هذه اللحظة تذكير صارخ بأن القواعد الدولية بحاجة إلى التكيف مع واقع يتطلب احترام كرامة الإنسان، وحماية البيئة، والحق في الحياة.


***مختصة في سياسات المناخ والمناصرة

#الزراعة_نبض_الأرض_والحياة

اخترنا لكم

الضريبة الكربونية: من تصحيح فشل السوق إلى إعادة هندسة الاقتصاد العالمي
الضريبة الكربونية: من تصحيح فشل السوق إلى إعادة هندسة الاقتصاد العالمي

"غدي نيوز" محرر السياسات البيئية والاقتصاد الأخضر – خاص "غدي نيوز" لم يعد تغيّر المناخ توصيفًا بيئيًا لظاهرة طبيعية متطرفة، بل أصبح متغيّرًا بنيويًا يعيد صياغة معادلات النمو والاستثمار والتجارة الدولية. فمع تسارع الاحترار العالمي وتزايد الكلفة الاقتصادية للكوارث المناخية، برز سؤال جوهري: كيف يمكن للنظام الاقتصادي، القائم تاريخيًا على استهلاك الوقود الأحفوري، أن يصحّح مساره دون انهيار مفاجئ في سلاسل الإنتاج؟ في هذا السياق، يتقدّم مفهوم تسعير الكربون كأحد أهم الابتكارات الاقتصادية في السياسات العامة المعاصرة، وتبرز الضريبة الكربونية كأداة علمية تستند إلى نظرية اقتصادية راسخة مفادها أن التلوث يمثل “فشلًا في السوق” يستوجب تدخّلًا تصحيحيًا يعكس الكلفة الحقيقية للانبعاثات.

جفاف مرعب: مياه لبنان في صيف 2026 قد لا تكفي لأسبوعين!
جفاف مرعب: مياه لبنان في صيف 2026 قد لا تكفي لأسبوعين!

"غدي نيوز" مصطفى رعد - المدن - في الوقت الذي تجفّ فيه ينابيع الجبال، وتتحول سهول البقاع إلى أرض متشققة يتربص بها شبح الجفاف، يجد اللبنانيون أنفسهم اليوم في مواجهة "نكبة مائية" صامتة، قد لا تترك لهم من خيار سوى الهجرة أو العطش، وسط تحذيرات علمية من أن مخزون البلاد من المياه لن يكفي لأكثر من أسبوعين في صيف 2026 "المرعب".

الرئيس عون ووزارتي الزراعة والبيئة يدينون رشّ مبيدات إسرائيلية سامة في القرى الجنوبية… وجمعية غدي تؤكد دعم المزارعين
الرئيس عون ووزارتي الزراعة والبيئة يدينون رشّ مبيدات إسرائيلية سامة في القرى الجنوبية… وجمعية غدي تؤكد دعم المزارعين

"غدي نيوز" بيروت – غدي نيوز | تحقيق المحرر البيئي أدان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بأشد العبارات قيام الطائرات الإسرائيلية برشّ مبيدات سامة على الأراضي والبساتين في عدد من القرى الجنوبية الحدودية، واعتبر هذا العمل العدواني «انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية، وجريمة بيئية وصحية بحق المواطنين وأرضهم، واستمرارًا للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وشعبه».

محمية ضانا في الأردن: إرث طبيعي عالمي وتنوع بيولوجي استثنائي
محمية ضانا في الأردن: إرث طبيعي عالمي وتنوع بيولوجي استثنائي

"غدي نيوز" إعداد: فادي غانم - تُعد محمية ضانا من أهم الكنوز الطبيعية في الأردن والمنطقة، حيث تجمع بين التنوع البيولوجي الاستثنائي، الغابات البكر، والحياة البرية الأصيلة. تمتد المحمية على سفوح الجبال ووديانها العميقة في جنوب الأردن، لتشكل نظامًا بيئيًا متكاملاً يمثل نموذجًا فريدًا لدراسة التوازن بين الأنواع النباتية والحيوانية في بيئات متعددة ومناخات متباينة.

قرّاء غدي نيوز يتصفّحون الآن

الحمى اللبنانية: نموذج محلي يرسّخ مكانته عالميًا ضمن أهداف 30×30 للتنوع البيولوجي
الحمى اللبنانية: نموذج محلي يرسّخ مكانته عالميًا ضمن أهداف 30×30 للتنوع البيولوجي

"غدي نيوز" بيروت – مع اعتماد أكثر من 190 دولة "إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي" في كانون الأول 2022، برزت الحاجة إلى حلول مبتكرة لحماية الطبيعة وإدارة الموارد بشكل مستدام. ومن بين هذه الحلول، يطلّ نظام الحِمى كإحدى أقدم الممارسات التقليدية في غرب آسيا وشمال أفريقيا، حيث يضطلع بدور محوري في تعزيز الإدارة المجتمعية للموارد الطبيعية وربطها بالمعايير الدولية الحديثة.

فادي الناصر… حين تصبح حماية الطبيعة فعلَ أخلاق وشراكة عابرة للحدود
فادي الناصر… حين تصبح حماية الطبيعة فعلَ أخلاق وشراكة عابرة للحدود

"غدي نيوز" - " فادي غانم " في عالمٍ يزداد اضطرابًا بفعل التغير المناخي، واستنزاف الموارد، وتراجع الثقة بالمؤسسات، تبرز الحاجة الملحّة إلى قيادات بيئية من طراز مختلف؛ قيادات لا تكتفي بإدارة الملفات، بل تحمل القيم، وتبني الجسور، وتؤمن بأن حماية الطبيعة ليست ترفًا بيئيًا، بل خيارًا حضاريًا وأخلاقيًا. وفي هذا السياق، يبرز اسم السيد فادي الناصر ، المدير العام للجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن (The Royal Society for the Conservation of Nature – RSCN)، كأحد هذه النماذج النادرة.

الضريبة الكربونية: من تصحيح فشل السوق إلى إعادة هندسة الاقتصاد العالمي
الضريبة الكربونية: من تصحيح فشل السوق إلى إعادة هندسة الاقتصاد العالمي

"غدي نيوز" محرر السياسات البيئية والاقتصاد الأخضر – خاص "غدي نيوز" لم يعد تغيّر المناخ توصيفًا بيئيًا لظاهرة طبيعية متطرفة، بل أصبح متغيّرًا بنيويًا يعيد صياغة معادلات النمو والاستثمار والتجارة الدولية. فمع تسارع الاحترار العالمي وتزايد الكلفة الاقتصادية للكوارث المناخية، برز سؤال جوهري: كيف يمكن للنظام الاقتصادي، القائم تاريخيًا على استهلاك الوقود الأحفوري، أن يصحّح مساره دون انهيار مفاجئ في سلاسل الإنتاج؟ في هذا السياق، يتقدّم مفهوم تسعير الكربون كأحد أهم الابتكارات الاقتصادية في السياسات العامة المعاصرة، وتبرز الضريبة الكربونية كأداة علمية تستند إلى نظرية اقتصادية راسخة مفادها أن التلوث يمثل “فشلًا في السوق” يستوجب تدخّلًا تصحيحيًا يعكس الكلفة الحقيقية للانبعاثات.

حرش إهدن... تاج الغابات اللبنانية ولوحة الخريف الملوّنة في قلب الشمال
حرش إهدن... تاج الغابات اللبنانية ولوحة الخريف الملوّنة في قلب الشمال

"غدي نيوز" - " فادي غانم " حين يهبط الخريف على المرتفعات الشمالية من لبنان، تتبدّل الملامح ويغدو حرش إهدن أشبه بلوحةٍ حيّة يرسمها الضوء وتوقّعها الطبيعة بألوانها المتناقضة: ذهبٌ على أوراق القيقب، نحاسٌ على العرعر، وعنبرٌ ينساب على جذوع الزان. هناك، على ارتفاعٍ يتراوح بين 1200 و2000 متر عن سطح البحر، تتجلّى واحدة من أندر وأجمل الغابات الشرقية المتوسطية، محمية حرش إهدن الطبيعية، التي لا تكتفي بأن تكون وجهة سياحية أو بيئية، بل تمثّل مختبراً علمياً مفتوحاً للتنوع البيولوجي في لبنان والشرق الأوسط.

تواصل معنا

LEBANON

+9613232720

[email protected]

تابعنا

© Ghadi News. All Rights Reserved 2026