حرش إهدن... تاج الغابات اللبنانية ولوحة الخريف الملوّنة في قلب الشمال
منبر الرأي November 07 2025

حرش إهدن... تاج الغابات اللبنانية ولوحة الخريف الملوّنة في قلب الشمال

غدي نيوز تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه

A-
A+
Play
Stop

"غدي نيوز"

- " فادي غانم "

حين يهبط الخريف على المرتفعات الشمالية من لبنان، تتبدّل الملامح ويغدو حرش إهدن أشبه بلوحةٍ حيّة يرسمها الضوء وتوقّعها الطبيعة بألوانها المتناقضة: ذهبٌ على أوراق القيقب، نحاسٌ على العرعر، وعنبرٌ ينساب على جذوع الزان. هناك، على ارتفاعٍ يتراوح بين 1200 و2000 متر عن سطح البحر، تتجلّى واحدة من أندر وأجمل الغابات الشرقية المتوسطية، محمية حرش إهدن الطبيعية، التي لا تكتفي بأن تكون وجهة سياحية أو بيئية، بل تمثّل مختبراً علمياً مفتوحاً للتنوع البيولوجي في لبنان والشرق الأوسط.

محمية رائدة في التاريخ والإدارة

تُعتبر محمية حرش إهدن أول محمية طبيعية رسمية في لبنان، أُعلنت في 9 آذار (مارس) 1992 بموجب القانون رقم 121، لتؤسّس لمرحلة جديدة في مفهوم الحماية البيئية المنظمة. تمتد على مساحة تقارب 1700 هكتار ضمن النطاق البلدي لإهدن في قضاء زغرتا، وتشرف عليها لجنة إدارة تعيّنها وزارة البيئة، تضم خبراء ومتطوعين يعملون على الموازنة بين حماية النظم البيئية وتعزيز علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي.

وقد شكّلت المحمية منذ تأسيسها نموذجاً ناجحاً في الإدارة البيئية التشاركية، إذ تعمل على دمج المجتمع المحلي الإهدني في حماية الغابة وتنميتها عبر برامج تربوية وزراعية وسياحية مستدامة، تسعى إلى تحقيق توازن بين صون الطبيعة وتنمية الإنسان.

غابة التنوع الحيوي في الشرق الأوسط

بحسب الدراسات الحديثة الصادرة عن وزارة البيئة اللبنانية ومراجع بيئية دولية، تُعدّ حرش إهدن من أغنى مواقع التنوع البيولوجي في حوض المتوسط. فهي تحتضن أكثر من 1020 نوعاً من النباتات، أي ما يعادل 40% من إجمالي النباتات المسجّلة في لبنان، بينها 126 نوعاً مهدداً بالانقراض.

كما تحتوي على 39 نوعاً من الأشجار الصنوبرية والعريضة الأوراق، من أبرزها الأرز اللبناني، العرعر، التنوب، الزان، التفاح البري، والدلب الشرقي. هذه التشكيلة النباتية النادرة تشكّل أساساً لغابة مختلطة ذات خصائص مناخية دقيقة، تجمع بين الرطوبة المتوسطية والبرودة الجبلية، ما يجعلها ملاذاً مثالياً لأنواع متنوّعة من الكائنات الحيّة.

محمية للحياة البرية والطيور المهاجرة

تشكّل حرش إهدن موئلاً متكاملاً للعديد من الثدييات والطيور والزواحف. إذ يُسجَّل فيها 26 نوعاً من الثدييات البرية تمثل نحو ثلث الثدييات اللبنانية، منها الأرنب البري، الغرير الأوراسي، الشهيم، القنفذ، وفأر الحقول، وهي أنواع تراجعت أعدادها في مناطق أخرى من البلاد.

أما الطيور، فهي فصلٌ آخر من فصول الجمال في حرش إهدن. إذ تضم المحمية نحو 168 نوعاً من الطيور المقيمة والمهاجرة، أي ما يقارب 40% من طيور لبنان، من بينها النسر الإمبراطوري المهدد عالمياً، وطيور صغيرة ملوّنة كالقرقف الأصفر والأزرق التي تتكاثر صيفاً في غاباتها.

وتُعدّ حرش إهدن محطة رئيسية في مسار الطيور المهاجرة بين أوروبا وإفريقيا، ما يرفع من قيمتها البيئية والعلمية ويجعلها موقعاً مفضلاً لمراقبي الطيور والباحثين في علم الأحياء.

الفطريات والزهور النادرة... مختبر الطبيعة المفتوح

في عمق الغابة، وتحت ظلال الأرز والزان، تنمو نحو 300 نوع من الفطريات، بعضها ملوّن بأشكال هندسية طبيعية تُدهش الزائر والعالم معاً.

أما النباتات المزهرة، فقد تجاوز عددها 500 نوع، من بينها أنواع لا توجد في أي مكان آخر في العالم. ومن أبرز الاكتشافات التي تحققت في المحمية نباتات حملت أسماء رمزية لبنانية مثل: «مخلب عقاب إهدن»، «قرنفلة يوسف بك كرم»، و«زعفران الرئيس سليمان فرنجية»، في تكريمٍ للمنطقة ورموزها.

ويشير الباحثون إلى أن المحمية ما تزال موقعاً مفتوحاً للاكتشافات العلمية المستقبلية، ما يمنحها قيمة فريدة على المستويين الوطني والدولي.

خريف حرش إهدن... المعرض الطبيعي للألوان

في أشهر الخريف، تتحول حرش إهدن إلى مسرحٍ للدهشة البصرية. فالدرجات اللونية تتبدّل على مدار اليوم مع تغيّر الضوء: الأصفر الذهبي للزان، الأحمر الناري للقيقب، والبني العميق للسنديان. أوراق الأشجار تتهادى ببطء، وكأنها تُعلن طقساً احتفالياً يليق بالمكان.

صور الخريف في حرش إهدن، التي توثّقها العدسات كل عام، تُعدّ من أجمل المشاهد الطبيعية في الشرق الأوسط. إنها لوحاتٌ حقيقية مرسومة من الطبيعة ذاتها، حيث تلتقي الروح بالضوء، وتصبح الأرض كتاباً مفتوحاً من الألوان والظلال.

وجهة علمية وسياحية... ومسؤولية وطنية

تُعدّ المحمية اليوم وجهة رئيسية لعشاق الهايكنغ، مراقبة الطيور، التصوير البيئي، والبحث العلمي، كما تشكّل منصة تعليمية للمدارس والجامعات. ومع قربها من غابة أرز بشري الشهيرة، تصبح جزءاً من ممرّ بيئي واسع يربط بين أبرز النظم البيئية في جبل لبنان الشمالي.

لكنّ الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي يتطلب استدامة في الإدارة والتمويل والوعي المجتمعي. فالمحمية ليست فقط جمالاً بصرياً، بل نظاماً بيئياً هشّاً يحتاج إلى الرعاية الدائمة والتخطيط العلمي لمواجهة تحديات التغير المناخي والضغوط البشرية.

في الختام... إرث الطبيعة اللبنانية

حرش إهدن ليست مجرّد غابة، بل ذاكرة حيّة للطبيعة اللبنانية بكل تنوّعها وألوانها. إنها المكان الذي يجمع بين العلم والجمال، التراث والبيئة، الإنسان والشجر.

وفي أيام الخريف، حين يختلط الضوء بالظلّ وتتهادى الألوان على السفوح، تدرك أنّك أمام لوحة لا يرسمها إلا الزمن، ولا يحفظها إلا الوعي البيئي.

هذه المحمية ليست فقط تاج الشمال، بل تاج الوعي البيئي للبنان كله. وهي تذكير دائم بأنّ الطبيعة ليست ميراثاً من الماضي، بل أمانة في أعناق الأحياء نحو المستقبل.

#الزراعة_نبض_الأرض_والحياة

اخترنا لكم

العقبة.. تجربة سياحية متكاملة بين الشواطئ والمواقع الأثرية
العقبة.. تجربة سياحية متكاملة بين الشواطئ والمواقع الأثرية

"غدي نيوز" العقبة - نوف الور - الرأي تُعدّ العقبة المدينة الساحلية الوحيدة في الأردن، والوجهة السياحية الشتوية الأهم في المملكة، إذ تجمع بين جمال البحر الأحمر ودفء المناخ الذي يجعلها مقصداً للسياح على مدار العام. وتمتاز العقبة بموقعها الجغرافي الفريد على أقصى جنوب الأردن، ما يمنحها انفتاحًا على العالم عبر البر والبحر والجو، حيث تستقبل الزوار عبر مطار الملك حسين الدولي ومينائها البحري، إضافة إلى شبكة الطرق الحديثة التي تربطها ببقية مناطق المملكة والدول المجاورة. هذا التنوع في طرق الوصول جعلها وجهة سهلة ومحببة للسياح من الداخل والخارج.

4000 هكتار من الخضار تُروى بمياه ملوثة بالصرف الصحي!
4000 هكتار من الخضار تُروى بمياه ملوثة بالصرف الصحي!

مصطفى رعد - المدن لم تنته حكاية تلويث نهر الليطاني فصولها بعد، تتوالى مشاهده مشهداً تلو الآخر، وليس آخرها، فصل تلوث الخضروات المروية بمياه الصرف الصحي، الذي كشفت عنه المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، مؤخراً حين أوقفت مزارعاً يروي البطاطا والبازلاء، والبقدونس، والخس، والنعناع بمياه آسنة وصرف صحي في منطقة مكسة البقاعية. بعض هذه الخضروات تُشكّل ألف باء صحون المطبخ اللبناني، الذي نتباهى به في العالم.

أزمات لبنان البيئيّة لا تنتهي… الصيد بالديناميت يُهدّد الثروة البحريّة بشكل كارثي!
أزمات لبنان البيئيّة لا تنتهي… الصيد بالديناميت يُهدّد الثروة البحريّة بشكل كارثي!

"غدي نيوز" كتبت شنتال عاصي في الديار - أزمات لبنان البيئية لا تنتهي، وآخرها ما يهدد ثروتنا البحرية بشكل كارثي: الصيد بالديناميت في البحر اللبناني. يستخدم بعض الصيادين المتفجرات لقتل كميات هائلة من الأسماك بسرعة، لكن هذه الممارسة لا تقتصر أضرارها على المكاسب الفورية فقط، بل تمتد لتشمل تدمير المواطن البحرية الحساسة، فقدان التنوع البيولوجي، وتعريض صحة الإنسان للخطر عند تناول الأسماك المصطادة بهذه الطريقة. إن استمرار هذه الظاهرة يجعل من البحر اللبناني مختبرا للتدهور البيئي والصحي على حد سواء، ويهدد مصادر الغذاء المستدامة لملايين الأشخاص، ما يجعل التحرك الفوري لمواجهة هذه الكارثة أمرا لا غنى عنه.

عُمان… نموذج عربي في الحوكمة البيئية واستلهام روح "الحمى" لتحقيق رؤية 30x30
عُمان… نموذج عربي في الحوكمة البيئية واستلهام روح "الحمى" لتحقيق رؤية 30x30

"غدي نيوز" بقلم: فادي غانم - تُجسّد سلطنة عُمان نموذجاً عربياً متقدّماً في الإدارة البيئية المستدامة، من خلال سياساتٍ واضحة ورؤية وطنية تستند إلى العلم والتخطيط طويل الأمد. فقد أدركت السلطنة باكراً أن حماية المواطن الطبيعية وصون النُظم البيئية ليست ترفاً بيئياً، بل هي ركيزة أساسية لضمان استدامة التنمية وتعزيز الأمنين البيئي والغذائي في آنٍ معاً.

قرّاء غدي نيوز يتصفّحون الآن

العقبة.. تجربة سياحية متكاملة بين الشواطئ والمواقع الأثرية
العقبة.. تجربة سياحية متكاملة بين الشواطئ والمواقع الأثرية

"غدي نيوز" العقبة - نوف الور - الرأي تُعدّ العقبة المدينة الساحلية الوحيدة في الأردن، والوجهة السياحية الشتوية الأهم في المملكة، إذ تجمع بين جمال البحر الأحمر ودفء المناخ الذي يجعلها مقصداً للسياح على مدار العام. وتمتاز العقبة بموقعها الجغرافي الفريد على أقصى جنوب الأردن، ما يمنحها انفتاحًا على العالم عبر البر والبحر والجو، حيث تستقبل الزوار عبر مطار الملك حسين الدولي ومينائها البحري، إضافة إلى شبكة الطرق الحديثة التي تربطها ببقية مناطق المملكة والدول المجاورة. هذا التنوع في طرق الوصول جعلها وجهة سهلة ومحببة للسياح من الداخل والخارج.

بين القانون والواقع: هل سيغير رأي محكمة العدل الدولية قواعد اللعبة المناخية غدًا؟
بين القانون والواقع: هل سيغير رأي محكمة العدل الدولية قواعد اللعبة المناخية غدًا؟

"غدي نيوز" هلا صبحي مراد*** عمان - غدًا الثلاثاء 23 من شهر تموز – يوليو لعام 2025 تستعد محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية في منظومة الأمم المتحدة، لإصدار رأي استشاري مهم يتعلق بالتزامات الدول في مواجهة أزمة التغير المناخي. هذا الرأي الذي ينتظره العالم لا يُعد ملزمًا قانونيًا، لكنه قد يمثل نقطة تحول تاريخية في كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي على واحدة من أخطر التحديات التي تواجه البشرية اليوم. القصة بدأت منذ أكثر من خمس سنوات، عندما بادرت مجموعة من الدول الجزرية، المتضررة بشدة من ارتفاع منسوب البحار، إلى الدفع نحو مسار قانوني يعترف بمسؤولية الدول الكبرى في أزمة المناخ. بقي الطريق صعبًا ومعقدًا حتى تدخلت دولة فانواتو الصغيرة في المحيط الهادئ، حيث قاد طلاب جامعيون حملة عالمية للمطالبة برأي استشاري من محكمة العدل الدولية. بدعم من أكثر من 130 دولة، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في آذار 2023 قرارًا بالإجماع لبدء مرحلة جديدة من دمج العدالة المناخية ضمن إطار القانون الدولي.

4000 هكتار من الخضار تُروى بمياه ملوثة بالصرف الصحي!
4000 هكتار من الخضار تُروى بمياه ملوثة بالصرف الصحي!

مصطفى رعد - المدن لم تنته حكاية تلويث نهر الليطاني فصولها بعد، تتوالى مشاهده مشهداً تلو الآخر، وليس آخرها، فصل تلوث الخضروات المروية بمياه الصرف الصحي، الذي كشفت عنه المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، مؤخراً حين أوقفت مزارعاً يروي البطاطا والبازلاء، والبقدونس، والخس، والنعناع بمياه آسنة وصرف صحي في منطقة مكسة البقاعية. بعض هذه الخضروات تُشكّل ألف باء صحون المطبخ اللبناني، الذي نتباهى به في العالم.

ماذا يحدث في وزارة الزراعة اللبنانية؟
ماذا يحدث في وزارة الزراعة اللبنانية؟

"غدي نيوز" كتب فادي غانم – لم يعد السؤال محصورًا بما إذا كانت وزارة الزراعة تقوم بدورها التقليدي، بل أصبح الجواب جليًّا كالشمس: نحن أمام تحوّل نوعي غير مسبوق، أقرب إلى انقلاب إيجابي حقيقي في الأداء والسياسات. تحوّل يُترجم بإيقاع سريع وحيوي، وبعمل دؤوب يتخطى الروتين والإجراءات التقليدية، ليجعل من الوزارة خلية نحل نابضة بالحياة لا تهدأ، حيث يلتقي الفكر بالتنفيذ، والرؤية بالفعل الملموس. اليوم، تقف وزارة الزراعة كوزارة سيادية بكل معنى الكلمة، يقودها وزير مؤمن برسالة الأرض، مدرك لأهمية الزراعة كركيزة استراتيجية في صون الأمن الغذائي، حماية الريف، تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وإعادة الاعتبار إلى لبنان كبلد منتج، قادر على المنافسة والصمود في وجه الأزمات.

تواصل معنا

LEBANON

+9613232720

[email protected]

تابعنا

© Ghadi News. All Rights Reserved 2025