غدي نيوز تقدم لكم تقنية الاستماع الى مقالاتها علّم أي مقطع واستمع إليه
"غدي نيوز"
محرر السياسات البيئية والاقتصاد الأخضر – خاص "غدي نيوز"
لم يعد تغيّر المناخ توصيفًا بيئيًا لظاهرة طبيعية متطرفة، بل أصبح متغيّرًا بنيويًا يعيد صياغة معادلات النمو والاستثمار والتجارة الدولية. فمع تسارع الاحترار العالمي وتزايد الكلفة الاقتصادية للكوارث المناخية، برز سؤال جوهري: كيف يمكن للنظام الاقتصادي، القائم تاريخيًا على استهلاك الوقود الأحفوري، أن يصحّح مساره دون انهيار مفاجئ في سلاسل الإنتاج؟
في هذا السياق، يتقدّم مفهوم تسعير الكربون كأحد أهم الابتكارات الاقتصادية في السياسات العامة المعاصرة، وتبرز الضريبة الكربونية كأداة علمية تستند إلى نظرية اقتصادية راسخة مفادها أن التلوث يمثل “فشلًا في السوق” يستوجب تدخّلًا تصحيحيًا يعكس الكلفة الحقيقية للانبعاثات.
الأساس العلمي والاقتصادي: لماذا تُفرض ضريبة على الكربون؟
من منظور اقتصادي بحت، انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO₂) هي “كلفة خارجية” (Externality) لا تدخل في حسابات المنتج أو المستهلك. المصنع الذي يحرق الوقود الأحفوري لا يدفع ثمن الضرر المناخي طويل الأمد الذي يسببه، بل يتحمله المجتمع عبر تدهور الصحة العامة، وتراجع الإنتاجية الزراعية، وارتفاع مخاطر الكوارث.
الضريبة الكربونية تعالج هذا الخلل عبر إدخال “السعر” إلى معادلة التلوث. فهي لا تحظر النشاط الصناعي، بل تعيد تسعيره. وكلما زادت كثافة الانبعاثات، ارتفعت الكلفة الضريبية، ما يدفع الشركات إلى تقليل الانبعاثات بأقل كلفة ممكنة.
تتميّز هذه الآلية بعدة خصائص علمية واقتصادية:
• الكفاءة الاقتصادية: لأنها تترك للسوق حرية اختيار أقل الوسائل كلفة لخفض الانبعاثات.
• الشفافية: إذ يمكن قياس الانبعاثات وتحديد الضريبة بوضوح.
• الاستقرار الاستثماري: لأنها ترسل إشارة سعرية طويلة الأمد تشجّع على الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة.
إنها أداة تقوم على منطق تصحيح السلوك لا فرض القيود الإدارية المباشرة.
أوروبا: عندما تتحول السياسة المناخية إلى سياسة صناعية
يشكّل الاتحاد الأوروبي المختبر الأبرز لتطبيق سياسات تسعير الكربون. فقد أطلق حزمة تشريعية تحت عنوان Fit for 55، بهدف خفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 1990.
غير أن التحوّل الأهم تمثّل في اعتماد آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، التي تفرض رسوماً على الواردات ذات الكثافة الكربونية المرتفعة، في قطاعات مثل الحديد والصلب، الألمنيوم، الأسمنت، الأسمدة، الكهرباء والهيدروجين.
هذه الآلية لا تعكس فقط طموحًا بيئيًا، بل تحوّلًا استراتيجيًا في مفهوم التنافسية. فالميزة النسبية لم تعد تقاس فقط بانخفاض كلفة اليد العاملة أو الطاقة، بل أيضًا بانخفاض البصمة الكربونية. وبذلك، انتقلت السياسة المناخية من إطارها البيئي إلى قلب السياسة التجارية والصناعية.
الضريبة الكربونية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد
أدخل تسعير الكربون مفهومًا جديدًا إلى سلاسل القيمة العالمية: “المحتوى الكربوني للمنتج”.
فالشركات المتعددة الجنسيات لم تعد تقيّم الموردين على أساس السعر والجودة فحسب، بل على أساس كثافة الانبعاثات أيضًا.
وهذا التحوّل يُنتج ثلاثة آثار عميقة:
1. إعادة توزيع جغرافية للاستثمار الصناعي نحو الاقتصادات القادرة على إنتاج منخفض الكربون.
2. تسريع الابتكار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وكفاءة الطاقة.
3. ضغط متزايد على الدول النامية لتحديث بنيتها الصناعية.
الدول النامية: معادلة العدالة والقدرة التنافسية
التحدي الأكبر أمام الدول النامية يكمن في الموازنة بين متطلبات العدالة المناخية وضرورات الاندماج في الاقتصاد العالمي. فهذه الدول لم تكن تاريخيًا المساهم الأكبر في تراكم الانبعاثات، لكنها اليوم مطالَبة بالامتثال لمعايير بيئية صارمة.
وهنا تظهر إشكالية مزدوجة:
• من جهة، خطر فقدان القدرة التنافسية في حال عدم تحديث الصناعات.
• ومن جهة أخرى، محدودية الموارد المالية والتكنولوجية اللازمة للتحول الأخضر.
لذلك، فإن أي نظام عالمي لتسعير الكربون يفقد مشروعيته إذا لم يقترن بآليات دعم تقني وتمويلي عادلة.
لبنان: بين هشاشة المناخ وتعقيد الاقتصاد
يقع لبنان ضمن شرق المتوسط، إحدى أسرع مناطق العالم احترارًا. وقد بدأت آثار تغيّر المناخ تتجلّى بوضوح في تراجع الموارد المائية، وتزايد الجفاف، وارتفاع مخاطر حرائق الغابات، وتآكل الشريط الساحلي.
في سياق التزامه باتفاق باريس، يسعى لبنان إلى خفض انبعاثاته عبر التوسع في الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة. غير أن غياب نظام وطني متكامل لتسعير الكربون، وغياب قاعدة بيانات دقيقة للانبعاثات القطاعية، يشكّلان تحديًا مؤسساتيًا حقيقيًا.
ومع تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، ستواجه الصادرات اللبنانية – خصوصًا في قطاعات الأسمنت والصناعات التحويلية وبعض الصناعات الغذائية – متطلبات إفصاح كربوني دقيقة. وهذا يعني أن التحدي لم يعد بيئيًا فقط، بل أصبح تحديًا للحوكمة الاقتصادية.
لكن في المقابل، يملك لبنان فرصًا استراتيجية:
• إمكانات واعدة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
• قطاع زراعي يمكن توجيهه نحو ممارسات منخفضة الكربون.
• إمكانية تطوير الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات الحديثة.
إن اعتماد سياسة تدريجية لتسعير الكربون، مقرونة بحماية اجتماعية واضحة وتخصيص الإيرادات لدعم التحول الطاقوي والنقل العام، قد يحوّل الضغوط الخارجية إلى فرصة إصلاح بنيوي.
هل الضريبة الكربونية حلّ مثالي؟
ليست الضريبة الكربونية عصا سحرية. فهي قد تؤدي إلى:
• ارتفاع أسعار بعض السلع في المدى القصير.
• ضغط إضافي على الفئات ذات الدخل المحدود إذا لم تُصمم بعناية.
• توترات تجارية إذا اعتُبرت أداة حمائية مقنّعة.
غير أن البديل – أي الاستمرار في دعم التلوث ضمنيًا – أكثر كلفة على المدى الطويل. فالكلفة الاقتصادية لعدم التحرّك تفوق بكثير كلفة الإصلاح التدريجي.
نحو اقتصاد ما بعد الكربون
العالم يدخل مرحلة انتقالية تشبه في عمقها الثورة الصناعية الأولى.
غير أن هذه الثورة لا تقوم على الفحم، بل على تقليل استخدامه.
الاقتصادات التي ستقود المرحلة المقبلة هي تلك التي تفهم أن:
• الاستثمار في الطاقة النظيفة ليس عبئًا، بل ركيزة سيادة اقتصادية.
• خفض الانبعاثات ليس تنازلًا، بل شرط تنافسية.
• الحوكمة البيئية الرشيدة ليست خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة مالية.
السؤال لم يعد: هل ينبغي تسعير الكربون؟
بل: كيف نصمّم نظامًا يحقق الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في آنٍ معًا؟
إن الضريبة الكربونية، في جوهرها، ليست ضريبة على النمو، بل ضريبة على الهدر والتلوث.
ومن ينجح في تحويلها إلى أداة إصلاح ذكية، سيعيد تموضعه في الاقتصاد العالمي الجديد – اقتصاد ما بعد الكربون.
"غدي نيوز" اشارت رئيسة جمعية "انسان للبيئة والتنمية" HEAD المهندسة ماري تريز مرهج سيف،في بيان، الى ان "آثار الحروب لاتنتهي عند حدود الدمار العمراني والخسائر البشرية، فغالباً ما تمتد تداعياتها إلى الأنظمة البيئية، تاركة وراءها أزمات قد تستمر لعقود".
"غدي نيوز" قرير خاص من لاهاي إلى فاخينينغن: كيف فتحت زيارة وزير الزراعة الدكتور نزار هاني إلى هولندا آفاق التحول الزراعي المستدام في لبنان؟ إعداد: فادي غانم – مستشار وزير الزراعة
"غدي نيوز" في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الإنسانية مع التحديات البيئية الوجودية، يبرز صوت الطبيعة كأحد أكثر الأصوات غياباً رغم كونه الأكثر دلالة على حجم ما يحدث. فحين تُقصف الأرض، لا تنهار الأبنية وحدها، بل تتصدع المنظومات البيئية التي تحفظ الحياة، ويختل التوازن الذي بُني عبر آلاف السنين بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.
"غدي نيوز" بيروت – في ظل استمرار التصعيد في جنوب لبنان، أصدر منسق شبكة أعضاء الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) – لبنان، فادي غانم، بياناً حذّر فيه من التداعيات البيئية الخطيرة والمتفاقمة للحرب، مؤكداً أن ما يتعرض له الجنوب لا يقتصر على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل يمتد إلى استهداف مباشر وعميق للأنظمة البيئية والموارد الطبيعية التي تشكل أساس الحياة والاستقرار.
"غدي نيوز" - " فادي غانم " حين يهبط الخريف على المرتفعات الشمالية من لبنان، تتبدّل الملامح ويغدو حرش إهدن أشبه بلوحةٍ حيّة يرسمها الضوء وتوقّعها الطبيعة بألوانها المتناقضة: ذهبٌ على أوراق القيقب، نحاسٌ على العرعر، وعنبرٌ ينساب على جذوع الزان. هناك، على ارتفاعٍ يتراوح بين 1200 و2000 متر عن سطح البحر، تتجلّى واحدة من أندر وأجمل الغابات الشرقية المتوسطية، محمية حرش إهدن الطبيعية، التي لا تكتفي بأن تكون وجهة سياحية أو بيئية، بل تمثّل مختبراً علمياً مفتوحاً للتنوع البيولوجي في لبنان والشرق الأوسط.
"غدي نيوز" في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الإنسانية مع التحديات البيئية الوجودية، يبرز صوت الطبيعة كأحد أكثر الأصوات غياباً رغم كونه الأكثر دلالة على حجم ما يحدث. فحين تُقصف الأرض، لا تنهار الأبنية وحدها، بل تتصدع المنظومات البيئية التي تحفظ الحياة، ويختل التوازن الذي بُني عبر آلاف السنين بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.
"غدي نيوز" قرير خاص من لاهاي إلى فاخينينغن: كيف فتحت زيارة وزير الزراعة الدكتور نزار هاني إلى هولندا آفاق التحول الزراعي المستدام في لبنان؟ إعداد: فادي غانم – مستشار وزير الزراعة
"غدي نيوز" اشارت رئيسة جمعية "انسان للبيئة والتنمية" HEAD المهندسة ماري تريز مرهج سيف،في بيان، الى ان "آثار الحروب لاتنتهي عند حدود الدمار العمراني والخسائر البشرية، فغالباً ما تمتد تداعياتها إلى الأنظمة البيئية، تاركة وراءها أزمات قد تستمر لعقود".
© Ghadi News. All Rights Reserved 2026